أخبارأخبار عامةالأسرة و المجتمعصحة
أخر الأخبار

قطاع الصحة يعرف دينامية إصلاحية واسعة تروم تحديث المؤسسات الاستشفائية

ابابريس : قسم الاخبار

لا تقتصر التحولات التنموية التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة على تطوير البنيات التحتية الرياضية والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى، بل تمتد أيضاً إلى قطاع الصحة، الذي يعرف دينامية إصلاحية واسعة تروم تحديث المؤسسات الاستشفائية، وتوسيع العرض الصحي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وتعكس المشاريع المبرمجة والأوراش الجارية توجهاً نحو إعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية، من خلال تشييد مستشفيات جامعية حديثة، وتعزيز المؤسسات الاستشفائية الجهوية والإقليمية، وإحداث مستشفيات للقرب، إلى جانب تأهيل آلاف المراكز الصحية وتطوير الموارد البشرية والرقمنة والحكامة، في إطار الإصلاح الذي أُطلق تنفيذاً للتوجيهات الملكية.

مستشفيات جامعية حديثة بمواصفات متطورة

تتصدر العاصمة الرباط مشهد التحول الذي يعرفه القطاع الصحي، بفضل مجموعة من المشاريع الاستشفائية الكبرى، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجامعي الدولي محمد السادس، الذي يجسد توجهاً نحو إرساء مؤسسات صحية حديثة تجمع بين العلاج المتخصص والبحث العلمي والتكوين الطبي.

ويمتد هذا المركب على مساحة تبلغ نحو 280 ألف متر مربع، ويضم المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس وجامعة محمد السادس لعلوم الصحة. وتصل طاقته الاستيعابية الأولية إلى 600 سرير، مع إمكانية رفعها إلى ألف سرير، فضلاً عن أكثر من 30 قطباً للتميز الطبي والجراحي والتقني.

كما يتوفر المشروع على 24 قاعة للعمليات الجراحية، تشمل قاعات هجينة وأخرى مجهزة بالتكنولوجيا الروبوتية، إضافة إلى 143 سريراً مخصصاً للعلاجات الحرجة، بما يعزز إمكانات التكفل بالحالات الطبية المعقدة.

وبالتوازي مع ذلك، تتواصل أشغال إنجاز المستشفى الجامعي الجديد ابن سينا بالرباط، بطاقة استيعابية تناهز 1044 سريراً، في أفق تعزيز العرض الصحي بالعاصمة وتطوير خدمات الاستشفاء والتخصصات الطبية.

وتعكس هذه المشاريع تحولاً في تصور المستشفى العمومي، الذي لم يعد يقتصر دوره على استقبال المرضى وتقديم العلاجات الأساسية، بل أصبح فضاءً متكاملاً يجمع بين الخدمات الطبية المتقدمة والتكوين والبحث العلمي والاستثمار في التكنولوجيا الصحية.

15 مشروعاً استشفائياً مرتقباً خلال سنة 2026

ولا تقتصر هذه الدينامية على العاصمة، بل تشمل مختلف جهات المملكة، حيث أعلنت الحكومة عن برمجة استكمال 15 مشروعاً استشفائياً خلال سنة 2026، من المرتقب أن تساهم في تعزيز الطاقة الاستيعابية الوطنية بنحو ثلاثة آلاف سرير إضافي.أنجز معاملاتك

وتندرج هذه المشاريع ضمن استراتيجية تروم توسيع العرض الصحي وتقليص التفاوتات المجالية في الولوج إلى العلاج، من خلال توزيع المؤسسات الاستشفائية على نطاق أوسع، وتقريب الخدمات الطبية المتخصصة من المواطنين، خصوصاً خارج المراكز الحضرية الكبرى.

وفي السياق ذاته، يتواصل برنامج إحداث ستة مراكز استشفائية جامعية باستثمار يفوق 20.6 مليار درهم، وبطاقة استيعابية إجمالية تناهز 3807 أسرّة.

ويشمل هذا الورش عدداً من الجهات، من خلال مشاريع تستهدف تعزيز البنيات الاستشفائية الجامعية، من بينها المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير، إلى جانب مشاريع أخرى بكل من العيون وبني ملال وكلميم والرشيدية.

ومن شأن هذه المنشآت، في حال استكمالها ودخولها حيز الخدمة وفق الأهداف المسطرة، أن تدعم قدرات المنظومة الصحية في مجالات العلاج المتخصص والتكوين الطبي والبحث العلمي، مع تخفيف الضغط عن المؤسسات الاستشفائية القائمة.

تأهيل أكثر من 3000 مركز صحي عبر المملكة

وبموازاة الاستثمار في المستشفيات الكبرى، يحظى تطوير الرعاية الصحية الأولية بمكانة أساسية ضمن ورش الإصلاح، بالنظر إلى دورها في الوقاية والتشخيص المبكر وتتبع الحالات المرضية وتوجيه المرضى نحو مستويات العلاج المناسبة.

وفي هذا الإطار، استهدف البرنامج الوطني لتأهيل المؤسسات الصحية في مرحلته الأولى نحو 1400 مركز صحي، قبل إطلاق مرحلة ثانية تشمل 1600 مركز إضافي، ليصل مجموع المراكز المعنية بالبرنامج إلى أكثر من ثلاثة آلاف مركز على الصعيد الوطني.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة في المناطق القروية والنائية، حيث يشكل المركز الصحي المحلي نقطة الاتصال الأولى بين المواطن والمنظومة الصحية. ومن المرتقب أن يسهم تحديث هذه المؤسسات وتجهيزها في تحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز قدرات التشخيص والتتبع الطبي، والحد من الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة من أجل الحصول على الرعاية.

غير أن الأثر الفعلي لهذه الاستثمارات سيظل مرتبطاً بمدى توفير التجهيزات الضرورية والأطر الصحية الكافية وضمان انتظام الخدمات داخل المؤسسات التي يشملها التأهيل.

إصلاح يتجاوز البناء والتجهيز نحو إعادة هيكلة المنظومة

لا ينحصر إصلاح القطاع الصحي في تشييد المباني واقتناء المعدات الطبية، بل يستند إلى مجموعة من المحاور المتكاملة، تشمل تطوير البنيات التحتية، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين الحكامة، وتسريع التحول الرقمي.

وفي هذا الإطار، يشكل إرساء المجموعات الصحية الترابية أحد المداخل الأساسية لإعادة تنظيم العرض الصحي على المستوى الجهوي، من خلال تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات، وربط الرعاية الأولية بالمستشفيات الإقليمية والجهوية والمراكز الاستشفائية الجامعية.

ويراهن هذا التوجه على تحسين تدبير المسارات العلاجية، وتسهيل انتقال المرضى بين مستويات الرعاية، والرفع من نجاعة استغلال الموارد المتاحة، بما يساعد على الحد من الاختلالات التي تؤثر في استمرارية الخدمات الصحية.

كما تمثل الرقمنة رافعة أخرى لهذا الإصلاح، عبر تطوير الأنظمة المعلوماتية وربط المؤسسات الصحية وتحديث تدبير المعطيات الطبية والإدارية، بما يتيح تحسين تنظيم المواعيد وتتبع المرضى وتبادل المعلومات، مع تعزيز فعالية التدبير داخل المؤسسات الصحية.

الموارد البشرية.. رهان موازٍ لتحديث المستشفيات

على الرغم من أهمية البنيات التحتية والتجهيزات الحديثة، فإن نجاح الإصلاح الصحي يظل رهيناً بتوفر العدد الكافي من الأطباء والممرضين والتقنيين ومختلف مهنيي الصحة، وقدرتهم على تقديم خدمات تستجيب لحاجيات المواطنين.

ولهذا، يتضمن الورش الإصلاحي توسيع الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التكوين الطبي وشبه الطبي، وتعزيز قدرات التكوين الأساسي والمستمر، إلى جانب تطوير البنيات البيداغوجية.

وتشير المعطيات الرسمية الواردة في هذا السياق إلى ارتفاع عدد المقاعد المخصصة لتكوين الأطباء العامين من 2650 مقعداً سنة 2019 إلى 6414 مقعداً سنة 2025. كما ارتفع عدد المقاعد بمراكز تكوين الممرضين إلى 9500 مقعد سنة 2024، مقابل 2735 مقعداً سنة 2019.

وتستهدف الاستراتيجية الوطنية تكوين 177 ألف مهني صحي في أفق سنة 2030، في خطوة تروم تعزيز الرأسمال البشري للقطاع ومواكبة التوسع المرتقب في المؤسسات الصحية.

ويطرح هذا التوجه تحدياً أساسياً يتمثل في ضمان التوازن بين التكوين والتوظيف والتوزيع المجالي للأطر الصحية، حتى لا يظل تحديث البنيات الاستشفائية منفصلاً عن القدرة الفعلية على تشغيلها وتقديم خدماتها بالكفاءة المطلوبة.

بين طموح المشاريع وتحدي جودة الخدمات

تكشف المشاريع الصحية الجارية والمبرمجة عن توجه نحو إعادة تشكيل المنظومة الصحية المغربية على مستويات متعددة، من خلال رفع الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتحديث التجهيزات، وتوسيع نطاق الرعاية الأولية، وتعزيز التخصصات الطبية، والاستثمار في التكوين والرقمنة، إلى جانب إعادة تنظيم الحكامة الصحية جهوياً.اشتر خرائط

وفي هذا السياق، تعكس المشاريع الكبرى التي تحتضنها الرباط، بالتوازي مع الاستثمارات الموجهة إلى جهات المملكة، جانباً من التحول الذي يطمح المغرب إلى تحقيقه في قطاع الصحة، بما يتجاوز مواكبة الاستحقاقات الدولية إلى بناء عرض صحي قادر على الاستجابة للحاجيات المتزايدة للسكان على المدى الطويل.

ومع ذلك، فإن نجاح هذا الورش لن يُقاس فقط بعدد المستشفيات التي جرى تشييدها، أو المراكز التي تمت إعادة تأهيلها، أو الأسرّة التي أضيفت إلى الطاقة الاستيعابية الوطنية، بل بمدى انعكاس هذه الاستثمارات على الحياة اليومية للمواطنين.

ويظل المعيار الحاسم هو قدرة المؤسسات الصحية على توفير علاج سريع وعادل وذي جودة، وضمان توفر الأطر الطبية والتمريضية، وتحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في الولوج إلى الخدمات الصحية.

وبذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط ببناء مستشفيات حديثة، وإنما بتحويل هذه المنشآت إلى مؤسسات فعالة تضع المريض في صلب اهتماماتها، وتضمن استمرارية الخدمات وجودتها، وتترجم الاستثمارات العمومية إلى تحسن ملموس في صحة المواطنين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى